محمد جواد مغنية

106

الشيعه والحاكمون

وبقيت هذه السنة الملعونة إلى أن قام عمر بن عبد العزيز فأزالها ومنع عنها ، اما السبب لذلك فيحدثنا عنه عمر نفسه ، قال : وكنت اقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ، فمر بي يوما ، وانا ألعب مع الصبيان ، ونحن نلعن عليا ، فكره ذلك ، ودخل المسجد ، فتركت الصبيان ، وجئت اليه ، لادرس عليه ، فلما رآني قام فصلى ، وأطال في الصلاة شبه المعرض عني ، حتى أحسست منه ذلك ، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي ، فقلت له : ما بال الشيخ ؟ فقال : أنت اللاعن عليا منذ اليوم ؟ ! قلت : نعم . . . قال : متى علمت أن اللّه سخط على أهل بدر ، وبيعة الرضوان بعد ان رضي عنهم ؟ ! فقلت : هل كان علي من أهل بدر ؟ قال : ويحك ، وهل كانت بدر كلها الا له ؟ ! فقلت : لا أعود . فقال : تعطيني عهد اللّه انك لا تعود . قلت : نعم ، فلم ألعنه بعدها . وقال عمر بن عبد العزيز : ثم كنت احضر تحت منبر المدينة ؛ وأبي يخطب يوم الجمعة ، فكنت أراه يهدر في خطبته ، حتى يأتي إلى العن علي فيجمجم ، ويتلعثم ويفهفه ويحصر ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوما : أنت اخطب الناس وأفصحهم ، ولكنك إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عييا . فقال لي : أفطنت لذلك ؟ قلت : نعم . قال : يا بني لو علم أهل الشام وغيرهم من فضل علي ما نعلمه لم يتبعنا منهم أحد ، وتفرقوا عنا إلى أولاد علي . فبقيت كلمته في صدري مع ما كان قاله معلمي أيام صغري ، فأعطيت اللّه عهدا ، لان كان لي هذا الامر لاغيرته . ووفي عمر بعهده ، فأسقط اللعن ، وجعل مكانه « ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون » وكتب بذلك إلى الآفاق ، فصار سنة ، فحل هذا الفعل عند الناس محلا حسنا ، وأكثروا مدح ابن عبد العزيز بسببه ( ابن الأثير حوادث سنة تسع وستين ، وابن أبي الحديد ج 1 ص 356 ) .